حيدر حب الله

15

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

الحلول الروحيّة التي تخفِّف عنه ضغط الواقع المرّ ، فقال : ( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) ( الحجر : 97 - 99 ) . إنّ ضيق الصدر تعبيرٌ آخر عن شعور الإنسان بالضغط والإشراف على عدم التحمُّل . والله هنا يعلِّم نبيَّه وكلَّ العاملين في خطّه بأنّكم إذا واجهتم كلّ الظلم والاعتداء والتهمة من الآخرين ، وضاق صدركم من قولهم ومن كذبهم وافترائهم ، فإنّ الحلّ لضيق الصدر يكمن في اللجوء الروحيّ إلى الله تعالى . إنّه التسبيح بحمد الله واستذكار نِعَمه وفضله وعلوّ مقامه وجلاله ؛ إنّه السجود لله في ما يعبِّر السجود عن التسليم لله ومنحه السلطنة المطلقة على حياتنا في ما يريد أن يضعنا أو أن يقسم لنا في الرزق بأنواعه . إنّه السجود في ما يعنيه من أرفع درجات التعبُّد لله واللجوء إليه ، قال تعالى : ( قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً ) ( الجن : 22 ) . فليس هناك في روح المؤمن إلّا الله ملجأً يلجأ إليه ، ويميل إليه ، ويستجير به . واللجوء إلى الله ليس فقط بدعوته في لحظات الشدّة ؛ لكي يدفع الله عنه ويدافع ، كما يفعل الطبع البشريّ في العادة ، بل هو اللجوء الروحيّ إليه ، والدخول في كهفه ، والعيش معه . هنا يتداخل البعد الروحيّ في حياة الإنسان مع البعد العمليّ ، ويصبح اللجوء إلى الله هو نفس عيش القرب له سبحانه ، فيكون الله ملجأً من الغير ، يدفع عن المؤمن شرَّهم وأذيَّتهم : ( وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً ) ( الكهف : 27 ) ، وهو في الوقت عينه ملجأٌ من النفس ، يحميها من الانحراف والزيغ في لحظات العسرة التي قد تفقد الإنسان ضبطه لقواعد الإيمان في الروح .